إصلاح العقلية العامة للدولة!


أخيراً أعلن السيد الفاضل وزير المالية إصلاح المالية العامة للدولة في خطوة مستحقة وإن جاءت متأخرة جداً، وذلك بالتعاون مع البنك الدولي، ومثل هذا الطرح كان يطالب بتطبيقه العديد من الشخصيات الوطنية المحبة للبلد في مسعى حقيقي نحو التنمية المستدامة، وتهيئة الدولة والشعب لمرحلة الإنتاج الفعلي والأرباح التشغيلية بدلاً من الوهم الاقتصادي الذي نعيشه منذ نصف قرن.

الاقتصاد الكويتي بما في ذلك المالية العامة للدولة يقوم على أساس معادلة صفرية لا تتعدى مؤشراتها مبيعات النفط مقابل الإنفاق العام، حتى الإنفاق العام الذي بمجمله عديم الجدوى إما أن يهدر على السلع والخدمات الاستهلاكية من الناس والحكومة أو يتبخر على مشاريع ينفذها القطاع الخاص دونما أي عوائد اقتصادية للدولة.

لذلك فإن عملية إصلاح المالية العامة ضرورة، ولكن التحدي الأكبر يا معالي الوزير لا يكمن في البرنامج المقترح من البنك الدولي، الذي نجح في العديد من الدول، إنما في سر نجاحه عبر إيجاد المناخ الصحي المطلوب لذلك.

أول متطلبات إصلاح المالية العامة يتمثل بالفكر والمنهج الحكومي والإرادة الحقيقية لتحمل هذه المسؤولية، فلا يمكن لمشروع جاد قد يقلب الحياة الاقتصادية رأساً على عقب أن يطبق في ظل عقلية تفتقر إلى بوصلة التنمية وتفتقد خطة واضحة ترسم اتجاهات ومعالم الدولة والموقع الذي يفترض أن تصنف فيه خلال مدة زمنية محددة.

من المتطلبات الرئيسية أيضاً أن تكتمل حزمة التشريعات المعيارية التي طبقتها دول نجحت في برامج الإصلاح، خصوصا ما يتعلق بالخصخصة والإدارة الحكومية ذات الكفاءة وفرض ضريبة على الأرباح التجارية وتحرير التنافس الاقتصادي بالإضافة إلى الحزم في تطبيق القانون.

إن بلداً مثل الكويت ذات إيرادات مالية ضخمة قادر على إدارة أفضل المشاريع التشغيلية، وتأسيس الشركات العملاقة ذات الأفكار المبدعة بجدوى اقتصادية عالية، أو على الأقل الشراكة مع القطاع الخاص عبر امتلاك الحصص والأسهم فيها في حال نجاح تجربة الخصخصة الفاشلة حالياً، وإلا كيف تنجح الحكومة في جني المليارات من الدولارات سنوياً عبر الاستثمارات في الأسهم والعقار مع الكثير من الشركات الأجنبية، في حين تفشل محلياً وتضطر لبيع حصصها السيادية في مشاريعنا المحلية؟

أما حاضنة نجاح برنامج إصلاح المالية العامة فهي الثقافة المجتمعية، وهذه قد تشكل أكبر التحديات، حيث النمط الاستهلاكي المفرط وضعف إنتاجية الموظف الحكومي في مختلف القطاعات، ناهيك عن التسيب الوظيفي والفساد الإداري والتعيينات القيادية وفقاً للمحاصصة أو الولاءات السياسية، وأعتقد كما الكثير من أبناء الكويت أن أي مشروع إصلاحي لا يمكن أن ينجح دون توفير هكذا بنية تحتية، فمعركتك يا سيادة الوزير على عدة جبهات في مشروع يسمى إصلاح العقلية العامة للدولة، مع خالص التمنيات لك في الانتصار فيها!

أضف تعليقك

تعليقات  0