التوثيق من خلال المنياتور


قرأت في مجلة العربي التي تصدر عن وزارة الإعلام العدد 670 سبتمبر 2014، موضوعاً ثقافياً شيقاً وغنياً بعنوان «فن المنمنمات...الأدب والتاريخ والأسطورة»، كتبه أشرف أبو اليزيد بحرفية عالية وتخصص دقيق.

وفن المنمنمات الذي يعرف بالمنياتور هو فن دقيق في تفاصيله، وقد يكون مهملاً في جوانبه التشكيلية ووظائفه الاجتماعية والتاريخية، كما أُهمل من جانب كثير من المثقفين العرب لأسباب قومية على اعتبار أنه فن فارسي، وطبعاً أُهمل في الجزيرة العربية باعتباره محرّماً لأنه يصور هيئة الإنسان، بينما تم تشجيع الخط العربي خصوصاً في تشكيله الفني لبعض آيات القرآن الكريم.

وفي الواقع أن فن المنمنمات تشترك فيه حضارات فارس والهند المغولية والدولة العثمانية والصين، في تلاقح وتأثير بين مدارس هذه الشعوب والحضارات، ولكن كاتب المقال يوضح أن له أصولاً بيزنطية ويونانية ورومانية.

وتصل دقة المنمنمات إلى استخدام ريشة مكونة من شعرة حصان واحدة فقط، وإذا استخدمنا مكبّراً نستطيع أن نرى شعر الرأس والحواجب والرموش، شعرة شعرة كل واحدة بشكل منفرد عن الأخرى، إلى هذا الحد من الدقة.

فمن خلال هذا الفن الرائع تم نقل وتوثيق تاريخ الشعوب والحضارات، وكذلك الأساطير مثل أبطال الإلياذة ومعارك طروادة، وكذلك أبطال الشهنامة الفارسية والأساطير المغولية والهندية والصينية ونقلت كذلك عن الرواة الحكواتية قصص الأبطال، ورغم اندثار فنون الحكواتية إلا أن المنياتور حفظ تراثهم وقصصهم، ورغم أن اللوحات ركزت على الملوك والأباطرة وحروبهم، إلا أنها نقلت أيضاً عادات تلك الشعوب مثل لوحات رحلات الصيد العديدة خصوصاً صيد الغزلان والأسود إضافة إلى توثيق البيئة في ذلك الوقت، وقد شاهدتُ في قرطاج بتونس فسيفساء على شكل سجاد أو مائدة، مرسوم عليها أنواع الأطعمة والأشربة ومن هذه اللوحة اكتشفت أن الرومان كانوا يتناولون طعامهم وهم مضطجعون، حيث تستغرق وجبة الطعام ساعات طويلة، وعرفت كذلك نوعية الطعام في ذلك العصر.

ويدهشني الدارسون المتخصصون بهذا الفن، إذ كنت في سنة ما أتأمل إحدى اللوحات بأحد المتاحف في العالم، وكنت أشرح لأحدهم أن اللوحة ليست فارسية وإنما عثمانية، وسمعني رجل كان يقف بجانبي فصحّح لي قائلاً: هذه لوحة مغولية وليست عثمانية، فسألته بفضول: كيف تفرق؟ قال ببساطة: أنظر إلى شفة الحصان العلوية تجدها مشقوقة، وهي عادة مغولية لأنهم في غزواتهم يسيرون لمسافات طويلة، فيعمدون إلى شق شفة الحصان العلوية لكي يعب هواء أكثر، كما أن الحصان قصير القامة أشبه بالبغل، بينما الحصان العثماني هو أقرب إلى الحصان العربي ممشوق القوام ورقبته طويلة وصدره عريض، وقد كنت سعيداً لأن هذه اللوحة كتبت التاريخ ووثقت العادات، ومن خلالها ازددت معرفة.

وفي كثير من الأحيان تكون الرسوم شرحاً للكلام المكتوب عليها، كما اُستخدمت في تزيين الكتب مثل ديوان عمر الخيام والملاحم وغيرها التي كانت تستغرق وقتاً طويلاً في رسمها، بل كان رسامو المنياتور يرافقون الملوك ويحظون بمكانة عالية.

انه مقال تثقيفي مهم، وحقاً صدق المثقفون العرب عندما قالوا: إن ثقافتهم الأولى بدأت مع مجلة العربي، التي كانت تباع في الشارع العربي بسعر زهيد، وقدمت منذ عام 1958 خدمة ثقافية جليلة للعرب.

وليد الرجيب

osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0