الخلافة... بين السنهوري والبغدادي!


(الخلافة الإسلامية) بمعنى الإمامة الكبرى للمسلمين تختلف عن إمارتهم في ناحية معينة ولا تتعارض معها، كالدول الإسلامية المتعددة القائمة في قارات العالم القديم، وإقامة الخلافة واجب شرعي سواء في مذهب أهل السنة والجماعة، أو في المذاهب والفرق الأخرى كالإثنى عشرية والزيدية والإسماعيلية.

وقد توقفت الخلافة رسميًا عام 1924 عندما صوت البرلمان التركي على ذلك، بضغط من «أتاتورك» والدول الغربية التي وضعت إلغاءها كشرط لعدم احتلال وتقسيم تركيا.

وقد قامت عدة محاولات إسلامية جادة لتطويرها وإحيائها بشكل يوائم العصر ومتطلباته، خصوصا وأن الشريعة الإسلامية قد وضعت الأصول العامة لها، من دون أن تحدد التفاصيل المقيدة، وذلك في إطار مرونة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.

لعل أبرز مشروع جاد لتطوير الخلافة كان مشروع (الجامعة الإسلامية) الذي قام به الخليفة الثاني بعد المئة وهو السلطان عبد الحميد الثاني – 1842/ 1918 – وتبناه كثير من المفكرين حينها، ويقوم على تطوير الخلافة وتبنيها النظم الاقتصادية والعسكرية والسياسية والتعليمية الحديثة، ومشاريع خطة سكة حديد الحجاز وشبكة التلغراف جزء منه.

كما كان للفقيه القانوني الكبير د. عبد الرزاق السنهوري – 1895/ 1971 – مشروع هو (هيئة الأمم الشرقية) حاز به شهادة دكتوراه ثانية من جامعة ليون الفرنسية رغم تحذير أساتذته إياه من عدم تقبل الدول الاستعمارية الأوروبية لأي أفكار تقوم على تطوير فقه الخلافة الإسلامية، ولعل فكرة «الاتحاد الأوروبي» المعاصرة قريبة من تصوره.

وللإمام حسن البنا – 1906/ 1949 – تصور مختلف تمثل في تأسيسه (جماعة الإخوان المسلمين) عام 1928، كي تكون حاضنة لحركات التحرر والإصلاح في مختلف بلاد المسلمين حول العالم، لذلك ساهمت بفعالية بدعم ثورات الجزائر وليبيا والمغرب ضد الاستعمار، كما حاربت حينها البريطانيين في مصر وعصابات الصهاينة الأولى في فلسطين.

حيث انه يرى التدرج والعملية بإقامة الخلافة، فيكون التحرير ثم البناء المجتمعي ومحاربة الأمية والأمراض، ثم قيام دول مسلمة حرة وقوية وديموقراطية، قبل الانتقال لطور الخلافة الجامعة لهذه الدول.

ورابع تلك المشاريع لعله مشروع عالم الاجتماع السياسي البارز مالك بن نبي – 1905/ 1973 – الذي أطلق عليه اسم (الكومنولث الإسلامي)، ووضع تفاصيله وأسسه بكتاب يحمل ذات الاسم، وركز في على قيام وحدات إسلامية مختلفة كوحدة المسلمين العرب ووحدة مسلمي القارة الهندية ووحدة المسلمين الأفارقة، ثم التحول لاتحاد – خلافة – بشكل يقارب الكومنولث البريطاني القائم حاليًا بين 53 دولة.

لا شك أن النموذج المشوه الذي أقامه تنظيم (القاعدة) عبر فرعه المنشق (داعش) والذي انتهى إلى (الدولة الإسلامية) وخلافة البغدادي المزعومة، هو شكل منحرف للخلافة، أحسن صنعا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بقيادة العلامة د. يوسف القرضاوي، وهيئة التأصيل الشرعي لجماعة الإخوان المسلمين في سورية، برفضهما الفقهي الصريح لهذا النموذج الذي يعتمد على الجبر والقهر وسفك الدماء وترويع الأبرياء.

ختامًا: ما إن تنفس المسلمون حول العالم نسمات باردة وعطرة من عبق (الحرية) وروح (الأخوة) وامتلاك (القرار)، عبر ثورات الربيع العربي، وإنجازات ماليزيا وتركيا الحضارية، حتى ظهر هذا المسخ المشبوه بظهوره وتمويله وتسليحه، كي ينتن الأجواء ويغلق الآفاق، ويكون مبررًا لعهد جديد من التدخلات الأجنبية والديكتاتوريات العربية! {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.

osama.alshaheen@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0