البقاء للأسوأ


نهر الزمن لا يرحم أحداً، وفي كل لحظة تمر تقترب من الشيخوخة، وعندها تصل إلى هاوية الموت، ونهاية الوجود، لكن ما هي الشيخوخة! الروائي الياباني "مشيما" وصفها في إحدى رواياته بأنها أشد وطأة من الموت، لم ينتظر مشيما لعنة الشيخوخة، وبقر بطنه منتحراً بطريقة هاراكاري، بعد فشله في محاولة انقلاب ساذجة دعا فيها إلى تمجيد الإمبراطور، وقبل مشيما كان هناك إيرنست همنغوي، وفرجينا وولف والقائمة طويلة.

"ازيكيل إمانيول" الكاتب واختصاصي الأورام السرطانية قدم عرضاً، في شهرية "اتلانتيك منثلي" لكتابه بعنوان: لماذا تأمل أن تحيا لما بعد 75 عاماً، فعنده العلوم الطبية الحديثة مدت بعمر الإنسان سنين طويلة، لكن كان هذا الامتداد العمري، على حساب قدرات الفرد وكفاءته وإنتاجيته، فنصف عدد الذين تجاوزوا الثمانين يعانون عطالة في القدرات، وثلث من تجاوزوا 85 هم

مرضى بالزهايمر، حتى لو لم نعانِ أمراض الشيخوخة كالخرف وغيره، قاعدة القدر تقرر أن قدرات الفرد وملكاته تتدهور شيئاً فشيئاً مع مرور الزمن، فقدرته على تحليل الواقع تضعف، وسرعته على حل المسائل تتدنى، وملكته على التركيز الذهني تتضاءل ويتشتت ذهنه لأبسط الأمور، وقوة الإبداع عنده تنكمش وتذوي، ويصير الإنسان عبئاً اقتصادياً على الدولة والمجتمع وعائلته، وينسب لأينشتاين مقولة إن من لم يساهم في العلوم وهو في الثلاثينيات من عمره فلن يساهم أبداً.
في عبارة أينشتاين بعض الشطط، لكن تظل الحتمية البيولوجية، هي الأصل الحاكم.

بكل حال، ماذا يعني أن يمتد بك العمر طويلاً وتتجرع معه ويلات الأمراض المستعصية، فما جدوى العلاج الكيماوي لمريض السرطان الكهل، إذا كان مقابل هذا الدواء جرعات رهيبة من العذاب الجسدي والنفسي، أما كان أولى أن نتركه يموت بهدوء، بدلاً من حقنه بشهور أو سنوات كئيبة من العمر الشقي، فليس المهم، كمية سنوات العمر التي تحياها، إنما "نوعية" هذه السنوات، أتذكر، الكاتب والروائي الأميركي اليساري "كويستلر" صاحب رواية "ظلام في الظهيرة" المنتقدة للنظام الستاليني في ذلك الوقت، عندما علم، وهو في بداية الثمانين من العمر بأنه مصاب بمرض الزهايمر، وكذلك بالسرطان، لم يتأخر في ذلك المساء وأقنع شريكة عمره كي تشترك معه في لعبة الموت مثلما شاركته لهو الحياة، فوضع زجاجة "البراندي" بقربه مع علبة حبوب منومة، وشرع بالنزول من سلالم الدنيا، وفي الصباح وجدوه ميتاً مع زوجته التي كانت تصغره كثيراً، أنهى حياته وحياة حبيبته، ظلمها بأنانيته في قرار النهاية، ظناً منه أنه ينتقم من القدر.

لنترك الإجابة عن تساؤل ما إذا كانت هناك حكمة أو تهور وجنون في انتحار "كويستلر" وغيره من مبدعين وكتّاب، ولندع، جانباً، كتاب ازيكيل إمانويل عن أنه لا جدوى للحياة بعد 75، ونقف قليلاً عند عتبة عالم السياسة ففيها قد تمتد سنون العمر طويلاً لحكام مطلقين كقاعدة، وتقصر حياة الشباب من شعوبهم، هؤلاء الحكام الكهول ليسوا استثناء من الحتمية البيولوجية، فهم قد يعانون، ضعف التركيز، وتشتت الذهن، إلى آخر أمراض العمر المديد، حالهم من حال بقية خلق الله، لكنهم يختلفون عن الخلق، بأن لهم سلطة الحكم المطلق، رغم أمراض الزمن، هم يسيرون بعكس اتجاه تيار الدهر الجارف، وهذا ضد حتمية التقدم الإنساني، وحتمية مسار التاريخ… لندعُ الله أن يرحم مستقبل شعوب منطقتنا العربية من قوانين حتمية "البقاء للأسوأ".
أضف تعليقك

تعليقات  0