توقف الاستقلال ولكن...


كان السؤال الرئيسي المطروح على هامش استفتاء استقلال اسكتلندا هو: لماذا تريدون الاستقلال؟

كنت أسال هذا السؤال للعديد من شرائح الانفصاليين، وكانت الإجابات متباينة؛ فالبعض ينطلق من منطلق قومي بحت، أي أن اسكتلندا قومية يحق لها أن تكون دولة، فمحاولة إعادة إنتاج القومية الاسكتلندية كانت تجري على قدم وساق، وخاصة عندما فاز الحزب القومي الاسكتلندي في انتخابات 2011، بل إنه حتى مبنى البرلمان يُكتَب عليه باللغة الإنكليزية ولغة الجاليك، وهي لغة قديمة لا يتحدث بها إلا نسبة قليلة جداً، وتوجد مدرسة ثانوية واحدة فقط في غلاسغو تدرسها.

خلافاً للكثير من "الدول بلا جنسية"، في أوروبا، وعددها يقارب الأربعين، فإن اسكتلندا لا تشكو تمييزاً يُذكَر، فقد صار لها منذ 1999 برلمانها المستقل، وصارت لها حكومتها، وصلاحيات واسعة، ولها نظامها القضائي المستقل منذ زمن طويل، باستثناء بعض الأمور التي تديرها لندن والخاصة بالرعاية الصحية والضرائب وغيرهما، ومع ذلك من المقرر أن يتم نقل الكثير من تلك الصلاحيات إلى النظام الاسكتلندي حسب وعود الحكومة البريطانية.

الرغبة القومية تتجاوز أحياناً المنطق الاقتصادي، وبالنسبة للسياسيين فإنهم يدركون جيداً نقاط ضعفهم، إلا أنهم مندفعون قومياً، ويطوّعون الأرقام ورؤية المستقبل لكي تتوافق مع منطقهم القومي، ولذا كانوا يركزون على النفط كمصدر أساسي للدخل.

ومع جاذبية فكرة الاستقلال، فإنها لم تتمكن من دفع غالبية الناس إلى التصويت في اتجاهه، رغم كفاءة معسكر الاستقلال، وتفوقه المالي، وعزفه على نغمة التمييز ضد اسكتلندا تاريخياً، وارتكازاته القومية، مما يعني أن فكرة الاتحاد مازالت تحمل بريقاً وقبولاً.

توقُّف قطار الاستقلال ربما يكون قد أبطأ، إلى درجة كبيرة، مزيداً من التفكك الذي كان سيطال الاتحاد الأوروبي برمته، بصرف النظر عما قيل عن نوايا "برشلونة" في الانفصال عن إسبانيا، فهي أقل تأثيراً من اسكتلندا، إلا أنه وفي غمرة الرعب الذي أصاب معسكر الاتحاد تم التعهد بالكثير من الوعود التي قطعتها الحكومة البريطانية على نفسها لنقل صلاحيات كبيرة إلى حكومة اسكتلندا، وبالتالي إن صدقت تلك الوعود وتم تنفيذها، فلن تتوقف عند اسكتلندا ولكن ويلز وأيرلندا الشمالية أيضاً، وبالتالي قد لا يكون استقلالاً كاملاً. ولكن بريطانيا في طريقها إلى تحوُّل جذري في نمط الحكم حين تصبح مناطق حكم ذاتي، وربما تتجه إلى الفدرالية في محطة قادمة، ولذا صار مشروعاً أن نتساءل: هل من الأفضل انفصال الدول عن الاتحاد أم الانخراط فيه؟

صحيح أنه بعد خسارة معسكر الاستقلال واستقالة رئيس الحزب ورئيس الوزراء سالموند، فإنه من غير الوارد طرح الموضوع في المدى المنظور، ولكن من الواضح أن نمط حكم بريطانيا قد تغيَّر إلى غير رجعة، سواء أكان باستقلال كامل أم لا.
أضف تعليقك

تعليقات  0