محاور التوتر



بعدما نشرت داعش خريطة وحدود دولتها قبل شهرين، وكان ذلك بالتزامن مع ساعات بسط سيطرتها لمناطق واسعة من العراق، نذكر جميعا ان الخوف انتشر سريعاً بين الخليجيين وخصوصا عندنا هنا في الكويت لأننا صرنا تبع محافظاتهم الجنوبية. لكنني ارانا اليوم نحمد الله ونشكره ان سخّر لنا التحالف الدولي بقيادة اميركا وفرنسا لضرب داعش وايقافه عند حده. بصراحة ردة فعلنا هذه ان لم تكن بسيطة وساذجة، فهي بالتأكيد غباء سياسي.

منذ بدايات القرن الماضي وحينما اشتعلت الحرب العالمية الاولى، لم تنته تلك الكارثة الدولية الا والعالم بأجمعه مقسم لدويلات تفصلها حدود رسمتها مسطرة وقلم مهندسي سياسات تلك الدول الكبرى بحيث تقسّم العالم لمناطق وأراضٍ وشعوب متنوعة، وبالتالي لقضايا ولملفات نزاعية متوترة باستمرار. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتعيد الدول المنتصرة في تلك الحقبة رسم الحدود من جديد فانتشرت الحروب والمنازعات فصارت طبق الشعوب اليومي وجزءاً من حياتها.

هذه النزاعات كانت ومازالت ورقة رابحة بيد الدول الكبرى. فبدلاً من الحروب والغزوات المباشرة، المطلوب من هذه الدول توقيع الاتفاقيات مرة على شكل معاهدات ثنائية نسميها باتفاقيات التعاون المشتركة، ومرة تحت المظلة الدولية نسميها مجلس الامن والامم المتحدة والناتو وغيرها.

فنشأت بسببها نزاعات وظلت مستمرة لعقود من الزمن، مثلا بين الهند وباكستان النزاع على اقليم كشمير، وبين الصينيين واليابانيين على جزيرة سينكاكو (دياويو بالصيني)، وبين اليابان وكوريا الجنوبية حول داكدو، وبين الصين وبعض دول شرق اسيا حول سبراتلي، وبين اريتيريا واثيوبيا على بادمي، وبين نيجيريا والكاميرون على شبه جزيرة باكاسي، وبين المغرب واسبانيا على سبيته، وهكذا الى آخر قائمة المنازعات الحدودية بين الدول. فسياسة الابتزاز هذه جعلت الحاجة للشرطي ضرورة ملحة تستجديها الدول المحتاجة، على عكس ما كان في الماضي حيث يستدعي الاحتلال الى الجيوش والحروب المباشرة.

قد تقول الموضوع فيه شيء من المبالغة، فكل ما في الأمر ان الظروف المتوترة جاءت بالصدفة. فما حصل ويحصل ليس بأكثر من نتيجة طبيعية للواقع الجغرافي والثقافي للدول. لا بأس، فليكن كلامك صحيحا. فما اراه ان الدول الكبرى تدخلت بصورة فجة في شؤون الغير. وهذه الدول لم تكن برأيي عاجزة عن الحل فحسب، بل تدخلاتها زادت الطين بلة. فسواء اقتَنَعت ان التوترات شأن مقصود، او أنها نزاعات حصلت بالصدفة، تظل امريكا ومعها القوى الديموقراطية العظمى الاخرى فاشلة في إدارة العالم.

فحروب اميركا مع الارهاب زادت هذا الفكر انتشاراً وتطرفا، فبدل القاعدة في افغانستان صار عندنا النصرة وداعش وبوكو حرام. وحروب أميركا الاقتصادية لم تُرضِخ لا إيران ولا كوريا بل توسع «محور الشر» في امكاناته النووية، وتحدي أميركا للصين جعل الثانية أقوى اقتصاد في العالم، ونشر الديموقراطية بالقوة في العالم العربي حول هذا الربيع لفوضى ودمار هائل، وهكذا في بقية السياسات بحيث نتائجها عكسية لاهدافهم الاستراتيجية. فعلام تفرحون يا اهل الخليج، واي ثقة تضعونها في قوى عظمى دايخة كهذه!؟


hasabba@gmail.co
أضف تعليقك

تعليقات  0