«داعش» أميركي جديد!


منذ قيام الولايات المتحدة بتشكيل نواة المجاهدين في أفغانستان إبان الغزو السوفياتي لهذه الدولة الآسيوية المعدمة عام 1979، لا تزال هذه الشجرة الملعونة تفرخ يوماً بعد يوم عصابات وميليشيات مسلحة، وتستقطب الشباب من كل أنحاء العالم؛ لتوفدهم في مهام قتالية وارتكاب المجازر البشرية وتدمير المدن والقرى، وعلى الرغم من فقدان الحكومة الأميركية السيطرة على هذه الجماعات التي تنوّعت بشكل كبير في ارتباطاتها وفكرها وأمرائها فإنها تحاول بين فترة وأخرى تحجيم بعضها وإطلاق بعضها الآخر على طاولة الشطرنج الدولية، وبمجرد أن يصل تمرد بعض هذه العصابات إلى حد تهديد الغرب تبدأ معها عمليات التصفية، ولكن في توقيت متزامن لبعث الحياة في عصابات جديدة.

آخر حلقات هذا السيناريو ما يسمى بتحالف الولايات المتحدة مع أربعين دولة للقضاء على "داعش"، الأمر الذي يعد نكتة في مضمونها وإخراجها المسرحي، فالولايات المتحدة قادت تحالفاً أممياً من ثلاثين دولة لتحرير الكويت من الغزو الصدامي، وبميزانية بلغت 90 مليار دولار، وأكملت المهمة في غصون أربعين يوماً فقط على الرغم من أن الجيش العراقي كان يعد ثاني أكبر منظومة عسكرية في الشرق الأوسط قوامها مليون جندي.

الاستخبارات الأميركية تقدر مقاتلي "داعش" بثلاثين ألفاً، وتزعم أنها بحاجة إلى أربعين دولة لمواجهتهم، وبكلفة أعلنها وزير الدفاع الأميركي تقارب الـ500 مليار دولار، ومع هذا فقد حددّت المهلة الأولية لهذه المعركة بثلاث سنوات!

قبل بداية إطلاق النار في الحرب الجديدة تبيّن أن أقرب حلفاء واشنطن تراجعوا عن هذا التحالف رغم أن الشواهد والدلائل تشير إلى أنهم الحواضن الرئيسية لمقاتلي "داعش" ومصدر تجارتهم ومظلتهم السياسية، وفي نفس الوقت أعلنت الولايات المتحدة عن "داعش" جديد وربما أخطر يسمى "خراسان" موجود حالياً في سورية، الأمر الذي يعني أن الناتو سوف يعد من الآن خطة أخرى لمواجهة خراسان بعد العمر الافتراضي لمعركة "داعش"، تماماً مثل قروض البالون التي انتهجتها بعض البنوك عندنا لإبقاء المقترض أسير مديونية لسنوات قد تصل إلى 50 سنة.

ليت الأمر توقف عند هذا الحد، فمع انطلاقة الحرب الأميركية الثالثة في الشرق الأوسط منذ عام 1990، أعلنت الإدارة الأميركية وبمباركة الكونغرس خطة تشكيل جيش عربي جديد، ولكن هذه المرة من "المعتدلين" السوريين ومقره المملكة العربية السعودية كبديل لـ"داعش" والنصرة وخراسان، فأي مرض هذا في عقل الأميركيين؟

وإذا كان هناك معتدلون كما تقول واشنطن فلماذا يتم تدريبهم على القتل والتطرف؟ ولماذا على الأراضي السعودية؟ ألا يكفي وبحسب التقارير الغربية وخاصة وكالة الاستخبارات الأميركية ومعهد الدراسات الدولية في لندن أن نسبة 10% من جيش "داعش" من مواطني مجلس التعاون باستثناء سلطنة عمان وغالبية هؤلاء من السعوديين؟ ألا يكفي أيضاً أن ثروات الخليج تبتزّ وبهذه الأموال الطائلة تحت ذريعة محاربة التطرف ومواجهة "داعش" وغيرها، لتصرف في مقابلها المليارات من جديد لخلق جيوش من المرتزقة الجدد لينتهي بهم المطاف في مجتمعاتنا، وإذا كان "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين" فمال بال حكوماتنا في المنطقة تلدغ يومياً على مدى نصف قرن من الثعبان نفسه؟!
أضف تعليقك

تعليقات  0