مواسم الفرح


أي مسلم يستشعر معنى العنوان أعلاه، كلما هبت نفحات الرحمة والعطاء في مواسم العبادات حتى يستثمر ثوانيها، أيامها ولياليها، ليتمرغ في يد الله المبسوطة لمسيء الليل والنهار بالعفو عن ذنوبه والتكفير عن سيئاته، وجبر انكساراته.

مواسم الفرح، فيها بهجة العشاق حيث لهفة اللقاء بمن يحب المحب، ورجاء المضطر لكشف ضر، وأمل ضائق في فرج، ويقين سائل بإجابة، إنها أيام الله.

في خضم التدافع الذي يحيا به البشر خلال الحياة وعراكه مع تلاطم متناقضاتها، تأتي هذه المواسم وكأنها الماء البارد لتائه في صهد صحراء، مثل ظلال في يوم شمسه تكاد تلمس الرؤوس، سحاب يرافق مسافرا نسي أن يحمل معه جرة الماء، محارب لا درع تقيه بأس العدو إلا حول الله وقدرته.

وعلى الرغم من أن الأربعين هو عمر الحكمة، فكم من أربعيني كلما مرت عليه موعظة رد: ماذا يقول هذا آنفا؟! امتطى الجهل أو ارتضاه اختياراً حتى يُعذَر، في زمن لا يُعذر أحد لجهالة، زمن التواصل حيث وسائل الاتصال والمعرفة تكاد تتوسد وسائدنا، وتلتحف بديباجنا، وتمرض وتصح معنا تضامناً.

فتأتي مواسم العبادة لتمنح الغافل الفرصة ليفتح قلبه للحب الإلهي، يشغل عقله بنعمة التفكر، هبة السلام الداخلي، هدية السكون والركون لله وحده، وتبعث الحياة في أرواحنا الغارقة في تفاصيل التفاصيل لدرجة الملل والتيه.

مواسم التعبد ليست بديلاً عن العبودية التامة التي يجب أن يعيشها المسلم باستمرار من مهده للحده، كأصل في عقيدة المسلم، وليست حجة لتأجيل بعض العبادات أو التوبات، بل تفضيلها جاء بنصوص شرعية حتى يتشجع الفرد ويشمِّر ويعلم أن الرب لا يعامله بالمثل، تعالى وتقدس، بل يفتح له كل آن بابا ليعود منه إليه.

هذه الأبواب هي المواسم العبادية التي نعيشها على مدار العام، مثلاً لا حصراً: صيام رمضان وفضل العشر الأواخر منه وأجر إفطار الصائم، صلاة العيدين الفطر والأضحى وفضل الأضحية، صيام ستة أيام من شوال، الحج وكفالة حاج محتاج والأيام العشرة من ذي الحجة، صيام يوم عرفة للمقيم وفضله الكبير للحاج، صيام الاثنين والخميس وثلاثة أيام من منتصف كل شهر هجري (الأيام البيض)، وصيام يوم عاشوراء وقيل معه تاسوعاء، وإخراج الزكاة عند الحَوْل وأجر الصدقات على مدار العام.

مواسم الفرح لا تعد ولا تُحصى لمن شاء أن يكون فرحاً بها، ومن أبى فقد خسر.

وهكذا تتلاحق النفحات حتى كاد العام لا يخلو مما يهبط من السماء من رحمات ممن كتب على نفسه الرحمة جل جلاله، وحسبنا أن لنا ربا ينزل كل ليلة في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الأولى، نزولاً يليق بجلاله، ليتوب على التائب، ويعطي السائل، ويغفر للمستغفر.

إن الله سابق بالمحبة لقوله (يحبهم ويحبونه) وسابق بالكرم أن خلقنا مسلمين، وسابق بالنعم أنه يجرنا للصلاح والفلاح جراً بتلك المواسم التي يبشرنا فيها بالقبول والتكفير ورفع الدرجات، وهو الغني عنّا ونحن الفقراء إليه، فهل نجتهد بفهم الغرض من هذه المواسم حتى نستعد لاستقبالها كضيف نؤجر على حسن استضافته، لا ثقيل ننتظر رحيله لنعود لحياتنا وعاداتنا؟

مواسم الفرح تستمر، ونحن نذهب، والفائز من اغتنمها ما دام فيه نَفَس، فهناك من سيأتي ربه وهو يقول (يا ليتني قدمتُ لحياتي).

twitter@kholoudalkhames

أضف تعليقك

تعليقات  0