بين الكتابة السياسية والثقافية


في كثير من الأحيان أتوق للكتابة في الجوانب الثقافية، وأشعر أن الكتابة «الحدثيّة» أي التي تتعلق بالحدث السياسي منهكة ذهنياً، وضيقة لا توجد فيها مساحة رحبة خاصة مع تقييد ذاتي للحرية الداخلية، وتُفقدني جانبا شعوريا مُشبعا، وانطلاقة غير محدودة تشبه التحليق الذهني الحر.

فالحدث السياسي يبقى آنياً رغم تغيره مع تغير المعطيات، بيد أن المشهد السياسي لا يجب أن يقرأ في سكونه، فهناك منطقان في قراءة المشهد السياسي أحدهما صوري أو شكلي والآخر جدلي علمي، أي مبني على القوانين الجدلية لحركة الواقع والتراكم والسبب والنتيجة والظاهر والجوهر، حتى نستطيع أن نحوّل الحدث السياسي إلى ليس مجرد إخبار، إنما إلى تحليل وموقف واستنتاج واستشراف.

ولكن هل هذا متاح دائماً للكاتب الصحافي أو لكاتب العمود؟ بالتأكيد ليس دائماً وبشكل مطلق، إذ يلعب موقف الجريدة والمحظورات والوضع السياسي الراهن دوراً في إتاحة أو عدم إتاحة ذلك، هذا ناهيك عن الأسوأ وهو الرقابة الذاتية بعد تكرار المنع أو التقطيع للمقالات، فيصبح الكاتب أمام خيارين اما التوقف عن الكتابة لشعوره بالتقييد والمهانة، أو الاستمرار مهما كانت التضحيات الذاتية في سبيل رسالة أسمى من الذاتي، فان تصل بعض المواقف خير من ألا تصل كلها فيسود رأي أو لون واحد، فالصحف اليومية هي منابر إعلامية تصل إلى مئات الآلاف من القراء وربما الملايين في بعض الأحيان، لأن القراء يرغبون دائماً في متابعة الخبر والحدث، ومقارنة المواقف والتحليلات من الحدث السياسي للكتّاب من الاتجاهات المختلفة، فالجريدة الذكية لا تصبغ طبيعتها بلون أو اتجاه واحد، حتى وإن كانت بعض الاتجاهات والأفكار لا تتناسب مع مواقف إدارة الجريدة.

أما الكتابة الثقافية فهي تقلّص من عدد المتابعين والقراء ولكنها تعطي تنوعاً أكبر منهم، بيد أنه قد يكون أفضل أساليب الكتابة إضافة إلى التحليل الجدلي العلمي للحدث، هو إضفاء صيغ جمالية ومفردات وجمل تجمع بين الذهني والشعوري، أي ليس فقط لإعمال العقل من أجل المعرفة والاكتشاف ولكن عبر إشراك العاطفة أيضاً، مما يعطي تأثيراً مزدوجاً ووعياً ومتعة شعورية أكثر من المعرفة المجردة والمتابعة الروتينية.

وتستهدف أي جريدة في العالم أكبر عدد من القراء، ولا تهتم لمكانة الكاتب الأدبية أو الفكرية أو الثقافية، بل لعل المفضل لديها هو الكاتب المثير للجدل والإثارة، الذي يتابعه من يتفق ومن يختلف معه فالمهم أن يكون مقروءا.

ولذلك تفقد الصحف الكثير من الأقلام ذات الثقل الثقافي والفكري والتي لديها ما تقوله، أو تستنكف بعض الأقلام الكتابة السطحية، أو تعريض أسمائها لعمليات الشطب والإلغاء والمنع والرقابة الذاتية التي تحد من حريتها الفكرية والإبداعية.



osbohatw@gmail.com


أضف تعليقك

تعليقات  0