ما قل ودل: القضاء ليس سلطة مطلقة في نظام الحكم الديمقراطي


تناولت في مقال الأحد قبل الماضي تحت عنوان "استقلال القضاء... الضمانات" الإنجاز الكبير الذي حققه مجلس الأمة في الفصل التشريعي السابع بإقراره القانون رقم 10 لسنة 1996، الذي حفل بكثير من الضمانات لكفالة استقلال القضاء، الأمر الذي طرحت معه سؤالا مشروعا حول الضمانات الجديدة التي يطالب بها القضاة لتأمين استقلالهم؟

وهو سؤال مشروع يحسن أن تكون الإجابة عنه واضحة، من خلال منظومة الحكم الديمقراطي التي جعلها الدستور أساساً للحكم، وجوهر هذا النظام هو مبدأ الفصل بين السلطات، وأن القضاء سلطة.

أولا: منظومة الحكم الديمقراطي

فلا يعني استقلال القضاء أن السلطة القضائية تعيش بمعزل عن باقي السلطات، أو أنها هائمة في فراغ، أو أنها سلطة فوق السلطات. فالسلطة القضائية، شأنها شأن السلطتين الأخريين التشريعية والتنفيذية، ومع هاتين السلطتين تكون منظومة واحدة، هي "منظومة الحكم الديمقراطي" الذي أراده الآباء الأوائل الذين وضعوا دستور البلاد الذي ينص في المادة (6) على أن: نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور.

ثانيا: مبدأ الفصل بين السلطات

يقوم نظام الحكم الديمقراطي في الكويت طبقاً للمادة 50 من الدستور على أساس مبدأ الفصل بين السلطات، وهو جوهر هذا النظام، وهو كذلك مبدأ استقر في ضمير الأمم الديمقراطية منذ أقدم العصور، بحيث أصبحت كل الدساتير في الدول الديمقراطية تنص عليه باعتباره أحد أهم ضمانات الممارسة الديمقراطية، وفي تحديد الدستور لوظيفة كل سلطة من السلطات الثلاث نصت المادة (51) على أن السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الأمة، وفقا للدستور.

ونصت المادة (52) على أن السلطة التنفيذية يتولاها الأمير ومجلس الوزراء والوزراء على النحو المبين في الدستور،
كما نصت المادة (53) على أن السلطة القضائية تتولاها المحاكم باسم الأمير في حدود الدستور.

القضاء سلطة

ولعل من أهم ما يميز دستور الكويت عن سائر الدساتير، التي صدرت في بدايات النصف الثاني من القرن الماضي، أنه اعتبر في المادة (53) القضاء سلطة، وكان ولا يزال هذا الأمر مختلفا عليه بين الفقهاء الدستوريين، حيث ينظر البعض إلى القضاء باعتباره مرفقاً من المرافق العامة التي تديرها الدولة.

ومن هنا فإن اعتبار القضاء سلطة، يدعم هذا الاستقلال ويعززه، أكثر من أن يكون القضاء فرعاً من فروع سلطة أخرى، لأن التبعية لسلطة ما قد يمس هذا الاستقلال.

القضاء ليس بالسلطة المطلقة

وإذا كان الفضل في إرساء مبدأ الفصل بين السلطات وشيوعه يعود إلى الفقيه والفيلسوف الفرنسي الفذ مونتسكيو، ومن قبله لوك، فإن مونتسكيو قد وضع أساس هذا المبدأ في مقولته الشهيرة le pouvoir arête le Pouvoir، أي أن كل سلطة من السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، توقف السلطتين الأخريين، وليست السلطة القضائية بمنأى عن ذلك كله، وإلا تحولنا إلى ما يعرف بحكومة القضاة، وهي ليست دائماً بالحكومة العادلة، لأن أخطر أنواع الاستبداد ما يتشح بوشاح العدل.

ومن هنا فإن السلطة القضائية كما تحد من السلطة التشريعية، فيما تفصل فيه من طعون بعدم دستورية القوانين التي تقرها الأخيرة، فتعدم القانون الذي تقضي بعدم دستوريته، وتحد من السلطة التنفيذية فيما تقضي به المحاكم من إلغاء القرارات التي تصدرها الأخيرة، لعدم مشروعيتها.

فإن السلطة التشريعية، تحد من السلطة القضائية، فيما تسنه من قوانين، ومن بينها القانون الذي يعين صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء، وفقا للمادة 168 من الدستور ويكفل استقلال القضاء ويبين ضمانات القضاة والأحكام الخاصة بهم وفقا لأحكام المادة 163 من الدستور.

مبدأ الدولة القانونية وسيادة القانون

ويقوم هذا المبدأ على تدرج الأعمال القانونية، بمعنى أن القواعد القانونية التي يتكون منها النظام القانوني للدولة، ترتبط ببعضها ارتباطا تسلسليا، وأنها ليست جميعا في مرتبة واحدة من حيث القيمة والقوة القانونية، بل تندرج فيما بينها بما يجعل بعضها أسمى مرتبة من البعض الآخر، ويقف الدستور على قمة هذا التدرج، لتسمو أحكامه وتعلو قواعده كل الأحكام والقواعد القانونية، ليس بحكم إقراره من الأمة من خلال مجلسها التأسيسي، بل كذلك بحكم طبيعة الموضوعات التي يقررها وينظمها، والتي تتمثل بالمبادئ الأساسية العليا في الدولة التي تتعلق بنظام الحكم وطبيعته وتنظيمه لاختصاص كل سلطة من السلطات فضلا عن تقريره لحقوق الأفراد وحرياتهم وواجباتهم.

ويلي الدستور في التدرج القوانين التي تسنها السلطة التشريعية، والتي يجب أن تتوافق مع أحكام الدستور، وإلا كانت عرضة للحكم بعدم دستوريتها، ويلي القوانين في المرتبة، اللوائح والقرارات التي تصدرها السلطتان القضائية والتنفيذية، ومن بينها القرارات التي يصدرها المجلس الأعلى للقضاء، التي يجب أن تتوافق مع أحكام القوانين التي أصدرتها السلطة التشريعية، والتي تسمو عليها في المرتبة.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.
أضف تعليقك

تعليقات  0