كونوا قدوة أولاً


تجد السلطة نفسها اليوم، بعد تدهور أسعار النفط، وهو البضاعة اليتيمة للدولة، أن خيارها الوحيد هو تخفيض دعم الدولة للطاقة من كهرباء وماء، وقد يصل تخفيض الدعم إلى البنزين والغاز، وتقول إن هذا الخفض لن يصيب شرائح "البسطاء"، الذين لم يتم تحديدهم، فمرة هم من أصحاب الدخل المحدود، ومرة أخرى، هم من أصحاب الدخل المتوسط!

الوزير الإبراهيم يصرح بحجة يصعب نقضها، متسائلاً: كيف لأحد أن يبني عمارة بأكثر من مليون دينار، ويمتنع عن سداد فواتير كهرباء وماء لا تتجاوز بضعة آلاف؟! ويضيف أن معدل استهلاك الماء يفوق أربع مرات نظيره في أوربا تقريباً!

في الحقيقة هناك هدر في صرف المياه والكهرباء وغيرهما من جوانب تدعمها الدولة، رغم أن مثل هذا الهدر لا يمكن مقارنته بهدر مقابل، وبأضعاف مضاعفة من السلطة، في مشاريعها العامة بعد أن تمددت على تلال كبيرة من الفساد المالي واستغلال السلطة، وصاحبه، أيضاً، هدر من طبيعة أخرى، تمثل في أمراض المحسوبية والواسطة والرشاوى، يدخل معظمها تحت بند "إن حبتك عيني ما ضامك الدهر".

مثل ذلك الهدر الرسمي المعنون بالفساد السياسي، أسس وشرع فلسفة "المال السائب"، وتعلم الصغار من الكبار لعبة عدم احترام المال العام والهدر اللامسؤول للموارد العامة وغياب المسؤولية عند كثيرين، بعد أن أصبح مسألة طبيعية حين وجدوا في كبار الدولة القدوة المثلى.

فإذا كان القانون لا يحاسب الكبار، فأيضاً ومن باب المساواة في عدم المحاسبة، يحق للصغار إهدار حكم القانون، "نظام السابقة" في التجاوزات المالية والقانونية، شرع السابقة للغير، ولم يكن كل ما سبق غير مظهر من مظاهر تجليات الدولة الريعية.

أياً تكن تصورات السلطة لمواجهة "السنوات العجاف"، والأيام السوداء القادمة حتماً، لابد لها أن توازي عرضها للتضييق الاقتصادي على الناس، ومطالبتهم بالمساهمة في العبء العام، وأن تبادر بدورها لفتح قنوات المشاركة في المسؤولية السياسية التي أغلقتها مع المراسيم الأخيرة، من مرسوم الصوت الواحد، حتى قوانين الحد من حريات الضمير الأخيرة أو التي تطبخ هذه الأيام في المطابخ الرسمية، فمن غير المعقول أن تدعو السلطة المواطن لشد الحزام المالي في الوقت الذي تحكم فيه الحبال الخانقة على رقاب المواطنين، فتكرس سياسة سحب الجناسي الانتقامية من المعارضين أو من أصحاب الأقلام، ثم تزج بمغردين بالسجون لأبسط الأسباب، وكل ذلك يتم تحت ذريعة "تطبيق حكم القانون"، وكأنها اكتشفت صدفة هذا القانون، سواء أكان قانون الجنسية أم غيره من القوانين المنسية لعقود طويلة، والتي لا تتحرك بذاتها عادة، وإنما حسب الطلب وحسب المزاج السلطوي.... كونوا قدوة بالعدل والإنصاف، قبل كل شيء.

أضف تعليقك

تعليقات  0