عن إصلاح التعليم


من العبث التحدث عن تعليم نوعي متطور باعتباره رافعة التنمية والتطور والتقدم بينما المنظومة السياسة فاسدة وغير صالحة. فساد الإدارة السياسية وعدم كفاءتها ينعكسان حتماً على المجالات الأخرى كالتعليم والاقتصاد والثقافة ويؤثران فيها سلبياً، وفاقد الشيء لا يعطيه كما يقال، فكيف يمكن، مثلاً، رسم خطط وسياسات اقتصادية أو تعليمية أو ثقافية جيدة والقيام بتنفيذها من منظومة سياسية غير صالحة تعتمد على الاجتهادات الفردية، ولا علاقة لها بالعمل المؤسسي، بل تتدخل في أدق تفاصيل العمل اليومي وتوجهه لمنافعها الشخصية ومصالحها الآنية؟

كيف نتوقع أن يكون هناك تعليم متطور في حين سياسة القبول في كليات التربية تُركز على الكم لا الكيف ويغلب عليها الاعتبارات السياسية والاجتماعية لا الأكاديمية؟!

لنأخذ، على سبيل المثال لا الحصر، موضوع المناهج الدراسية أو الشهادات "المضروبة"، ولنسأل أنفسنا: كيف يمكن وضع مناهج نوعية متطورة تدعو إلى التفكير النقدي والبحث العلمي وحرية الفكر والانفتاح على العالم بما فيه من نقاشات حيّة ووجهات نظر متباينة تبحث مشاكل العصر وتتطلع إلى المستقبل، في حين النظام السياسي متخلف فكرياً وسياسياً لا يسمح بالرأي الآخر، بل يقمع الحريات العامة، ويحتكر وسائل الإعلام ويسيطر عليها ويوجهها؟!

وكيف يمكن وقف الشهادات "المضروبة" إذا كان بعض كبار صانعي السياسات العامة ومنفذيها، ومن ضمنهم بعض كبار المسؤولين في قطاع التعليم، يتسابقون للحصول عليها وهم جالسون على مقاعدهم يمارسون عملهم التنفيذي اليومي؟!

وفي السياق ذاته، كثيراً ما نسمع من بعض المتخصصين أو المهتمين بالشأن العام أن مشكلة التعليم هي المواطن لأنه لا يشارك إيجابياً في العملية التعليمية بالرغم من أن التعليم مسؤولية مشتركة، لكنهم ينسون أنه حتى يكون للمشاركة المجتمعية في العملية التعليمية معنى فإنه لا بد من وجود بناء تنظيمي ومؤسسي سليم، وقنوات مشاركة ديمقراطية فعلية، وإلا أصبحت العملية مجرد مشاركة شكلية لا قيمة لها ولا فائدة، فقد تصلح لالتقاط الصور التذكارية لكنها حتماً لا تُطوّر التعليم.

التعليم مهم للغاية في تحقيق تنمية إنسانية مستدامة، لكنه يفقد فعاليته ويصبح عبئاً على المجتمع إذا لم يكن جزءاً من منظومة متكاملة في دولة مؤسسات ديمقراطية، فالدول المتقدمة تعتمد على التعليم النوعي العالي الجودة من أجل تنفيذ خططها وبرامجها وسياساتها العامة التي يرسمها صانعو السياسات أو السياسيون لا التنفيذيون، إذ لا يمكن أن يكون هناك تعليم متطور في دولة مُتخلّفة سياسياً، والصرف المالي ليس دليلاً على تطور التعليم، فقد تذهب الأموال والجهود البشرية هباءً منثوراً. هل معنى هذا أنه يجب ألا نعمل شيئاً لتطوير قطاع التعليم قبل البدء بالإصلاح السياسي؟

إطلاقاً، فمن الممكن تحقيق بعض التحسينات هنا وهناك، لكن المشكلة أنها تظل تحسينات هامشية مؤقتة لا تمس الجوهر، ولأنها ترتبط بوجود بعض المسؤولين فهي مُعرّضة للإلغاء، أي التراجع عنها تماماً في أي لحظة؛ لهذا فإن الإصلاح السياسي يأتي أولاً، ثم تتبعه بعد ذلك إصلاحات في القطاعات الأخرى وفي مقدمتها التعليم.
أضف تعليقك

تعليقات  0