حين فقدنا يوسف المشاري



مضت 24 سنة على تلك الليلة البائسة من أيام الدنيا، التي هاجمنا فيها الغزاة ليلقى القبض على يوسف ثنيان المشاري ورفاقه، في بيت غريب بمنطقة النزهة.

هكذا انسلت تلك الليلة الحزينة من ليالي أكتوبر 1990 دون حساب. تم للمحتلين فيها ما لم يحسبوا حسابه، فقد ألقوا القبض على قيادة المقاومة، ومعهم قرة العين يوسف المشاري ورفاقه.

كانت ليلة توقّفَ فيها الهواء، ويبس فيها الحلق، وجفّ فيها الدمع بالمآقي. ليتك يا أبا يعقوب كنت معنا في زمنٍ قلّت فيه القيم، لترى أننا لم نتعلم من ذلك الدرس، درس بحجم الغزو، ومع ذلك لم نتعلم. وليت الغزاة كانوا قد علموا أو عرفوا حينها قيمتك فينا، ولكن أين هم، وأين قيمة الإنسان والعطاء؟

كنا حينها معاً نتبادل الحديث في ذلك البيت الغريب، كنا نحاول فهم المستقبل في بلد محتل، نضحك حيناً ونسخر حيناً، متى سيخرج الغزاة وكيف؟، أيام مضت وأيام جاءت، وابتسامتك المشرقة التي لا تفارقك لا تفارق مخيلتي.

قُدِّر لنا أن ننجو، بقدر ما، في لحظة قدرها الله، وكم ضاعت بغيابك أشياء وأشياء! كانت تلك الليلة هي نكسة بعد نكبة، فنكبة الغزو تلاها نكسة اعتقالك أنت ورفاقك.

كنت وكنا، نتعلم منك "على ضوء الشمعة، لا، بل على ضوء الظلمة"، وكنت فينا باسماً وقوراً. ليتك ما ذهبت، وليتك خرجت معنا قبل أن ينقضّ الغزاة على المكان، ولكنك أصررت وعبدالوهاب المزين على تكملة حديث عادي، وكان ذلك الحديث قد حسم الفرق بين البقاء والذهاب. ولكن من يدري، فلو كنت بيننا لَلَعنك اللاعنون، ولركب على ظهرك المتسلقون.

ألم أقل لك إننا أضعنا البوصلة، وأضعنا الطريق؟ فمن بعد الفعل إلى اللافعل، ومن الجد إلى الهزل، ومن القيمة إلى العدم، وبعد الشيء إلى اللاشيء، هكذا يا سيدي كنا وهكذا يا سيدي أصبحنا.

لا أعرف تحت أي أرض ترقد، فقد بحثت عنك وكل الأسرى في أرض العراق من أقصاه إلى أقصاه، ومن جادت أرواحهم دفاعاً عن هذا الوطن الجريح، وأياً كان مكانك يا صديقي، ارقد بسلام، فأنت لا تستحق إلا السلام، وليرحمنا الله برحمته، وليرحم الله أسرانا وشهداءنا وقد نسيهم الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أضف تعليقك

تعليقات  0