الانحياز الاجتماعي للميزانية العامة


تقليص البنود غير الضرورية في الميزانية العامة للدولة ليس قضية خلافية، فالكل متفق على ذلك، لكن الخلاف ينحصر في تحديد البنود التي تعتبر غير ضرورية وتسبب هدراً وربما عجزاً في الميزانية العامة للدولة، إذ إن تقليصها أو إلغاءها يجعلنا نتلافى الهدر والاستنزاف والعجز المالي. بمعنى أكثر تحديداً فإن الخلاف يدور، بشكل رئيسي، حول الانحياز الاجتماعي الذي تعبر عنه الميزانية العامة، فأبوابها وبنودها ليست مجرد أرقام صماء، بل لها دلالات اجتماعية-اقتصادية في غاية الأهمية، وبصيغة السؤال، مِمَنّ ستُستقطع المبالغ؟ ومن سيحصل على الإيرادات الجديدة بعدئذ؟ أي لمصلحة من توجّه الميزانية العامة؟

في الإجابة عن السؤال الأول، يحصر فريق الحكومة ومن يؤيده البنود غير الضرورية والتي تسبب، من وجهة نظرهم، مشكلة العجز المحتمل في الميزانية العامة للدولة في الباب الأول (الرواتب والأجور وما في حكمها)، يضاف إليه بنود الإنفاق الاجتماعي، أي الدعوم التي تقدمها الدولة للأفراد والأُسر (المساعدات الاجتماعية ودعم السلع والخدمات الأساسية والوقود والكهرباء والماء... إلخ)، متجاهلين، عن عمد، الإدارة السيئة للمالية العامة والأبواب الأخرى المُتضخّمة أيضاً؛ مثل الباب الثالث (وسائل النقل والمعدات والتجهيزات)، والباب الرابع (المشاريع الإنشائية والصيانة والاستملاكات العامة)، والباب الخامس (المصروفات المختلفة والمدفوعات التحويلية). ليس ذلك فحسب بل إن تركيزهم على الباب الأول ينصبّ فقط على رواتب صغار الموظفين ومزاياهم الوظيفية التي لا تكاد تذكر مقارنة برواتب كبار المسؤولين في الدولة (من وكيل مساعد فما فوق) ومزاياهم ومكافآتهم وبدلاتهم المالية!

أضف إلى ذلك أنهم يغضون النظر عن الفساد بأشكاله المختلفة سواء السياسي أو المالي أو الإداري الذي ترصده تقارير ديوان المحاسبة، وما يترتب عليه من هدر فظيع واستنزاف هائل للثروة الوطنية، فضلاً عن عدم تطرقهم إلى الدعوم السخية التي تمنحها الحكومة لكبرى الشركات الخاصة باعتبارها بنوداً غير ضرورية، والتي تشمل، التسهيلات والإعفاءات الجمركية، ودفع 70% من رواتب العمالة الوطنية، ورسوما مخفضة للغاية للماء والكهرباء (فلس واحد للكيلوواط بينما سعره فلسان للأفراد)، ومنح أراضي الدولة وأملاكها لمدد طويلة جدا وبأسعار زهيدة للغاية لا تتناسب إطلاقا مع قيمتها الإيجارية في السوق، والمناقصات "المُفصلة على المقاس"، وغض النظر عن المخالفات المالية للقطاع الخاص في مشاريع التي تسمى مجازاً الـ"بي أو تي" والتي تكلف ميزانية الدولة مبالغ باهظة، علما أنها شركات مملوكة لعدد محدود من الأفراد، وتعتمد بشكل شبه كامل على الإنفاق الحكومي رغم تواضع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي وعدم دفعها ضرائب على الأرباح.

إذاً، وبحسب وجهة نظر هذا الفريق، فإن البنود غير الضرورية في الميزانية العامة للدولة هي بنود الدعم الاجتماعي ورواتب الموظفين والمتقاعدين وبدلاتهم، وهذا معناه أن الاستقطاعات والرسوم الجديدة والضرائب سواء مباشرة (تطرقنا في مقال سابق إلى شروط وجود نظام ضريبي عادل) أو غير مباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة، ستؤخذ من جيوب أصحاب الدخول المتوسطة والمتدنية، وستذهب مباشرة إلى أرصدة كبار الأغنياء ليزدادوا ثراء، وهنا تتضح إجابة السؤال الثاني المتعلق بالانحياز الاجتماعي الذي تعبر عنه الميزانية العامة للدولة الذي يدعو إليه هذا الفريق ويدافع عنه، وهو الأمر الذي سيترتب عليه ظلم اجتماعي وعدم عدالة في توزيع الثروة الوطنية.
أضف تعليقك

تعليقات  0