كيف ستبدو شبكة الإنترنت عام 2040


في غضون 25 عاماً، هل ستكون الحياة على الإنترنت مشرقة أم قاتمة؟ الكاتب البريطاني كريس بارانيوك يحلل الرؤى المختلفة لمستقبل الإنترنت.

في مارس/آذار عام 1989 كتب السير تيم بيرنرز لي مذكرة، أدت في النهاية إلى ولادة الشبكة العنكبوتية. كان ذلك قبل 25 عاماً. وبالعودة إلى الثمانينيات، كان من الصعب استيعاب فكرة ربط الوثائق ببعضها بتلك الطريقة المتشعبة.

إذن، كيف ستبدو الحياة الرقمية بعد 25 عاماً من اليوم؟ و ما هو حجم التغير الذي سيطرأ على الإنترنت بحلول عام 2040؟

كلا النظرتين القاتمة والمشرقة لمستقبل الإنترنت لهما جمهورهما وأنصارهما، ومن السهل الوقوف على النظرتين المتناقضتين لما يتوقع من مستقبل ينتظر الإنترنت، بمجرد إلقاء نظرة على الآمال والمخاوف الكبرى للناس تجاه المستقبل الرقمي لحسب موقع شبكة بي بي سي الإخبارية.

نظرة مشرقة
إنه صباح أحد أيام الصيف لعام 2040. الإنترنت تحيط بك من كل جانب، وكل ما تعتزم القيام به خلال اليوم واضح ومن السهل عليك القيام به بفضل تدفق المعلومات عبر الإنترنت.

المعلومات عن مواعيد وطرق المواصلات العامة من بيتك إلى المدينة تتغير باستمرار طبقاً لحالة الازدحام لكي تتجنب التأخير. شراؤك الهدية المناسبة لعيد ميلاد أطفالك أمر في غاية اليسر لأن المعلومات المتوفرة عنهم تمكن خدمة التسوق الخاصة بك من معرفة الهدية التي يرغبون فيها.

ويرجع الفضل لبقائك حياً بعد الحادث المميت الذي تعرضت له الشهر الماضي إلى وصول الأطباء في قسم طواريء المستشفى إلى سجلك الطبي بسهولة.

يبدو ذلك جيداً، أليس كذلك؟ هذا هو المستقبل الذي يعتمد فيه دوران عجلة الحياة على المعلومات.

إنها الفكرة التي يعمل مخترع الشبكة العنكبوتية على تحقيقها منذ زمن. وقد قال خلال وجوده مؤخراً في لندن إنه من المحتمل أن تكون لنا في المستقبل ملكية أكبر للمعلومات الخاصة بنا.

وقد أضاف: “أرغب في أن نبني عالماً أستطيع فيه التحكم بمعلوماتي الشخصية، بمعنى أن أكون المالك لهذه المعلومات، وأن يكون بامكاننا كتابة تطبيقات تأخذ المعلومات من كافة الجوانب المختلفة من حياتي وحياة عائلتي وأصدقائي.”

الخدمات الذكية التي تستخدم الذكاء الصناعي لمساعدتنا على القيام بأعباء العمل، ستساهم في خلق عالم أقل تشويشاً وأكثر انسيابية، تكون فيه رسائل البريد الإلكتروني المتكدسة وازدحام المواعيد شيئاً من الماضي.

إن تدفق المعلومات بأحجام وكميات تكبر باستمرار يثير مخاوف من انتهاك الخصوصية. لكن المخاوف المعاصرة من انتهاك الخصوصية ستكون على أضيق نطاق بحلول عام 2040 طبقا لما يقوله خبير أمن المعلومات بروس شنيار الذي سيتحدث في الأيام القادمة أمام مؤتمر ينظمه موقع “بي بي سي فيوتشر” بعنوان أفكار تغير العالم.

“السؤال المطروح هو متى ستكون هناك خصوصية قانونية وتقنية على الإنترنت؟ توقعاتي هي بين 20-30 عاماً. لن يكون حجم التجسس وجمع المعلومات بمستوياته الحالية.”

و يوضح شنيار ما يذهب إليه بالقول: “بعد عشرات السنين، سينظر الناس القلقون على مسألة الخصوصية إلى ما يحدث حالياً من اختراق للخصوصية كما ينظر الناس إلى عمالة الأطفال التي كانت سائدة في الماضي، على اعتبار أنها شيء لا يقبل بوجوده معظم الناس.”

كوابيس متخيلة

إنها احدى أمسيات شتاء عام 2040 المعتمة. الإنترنت تساعد على الجريمة الإلكترونية بحيث يستحيل الدخول إلى الإنترنت دون أن تعرض حسابك البنكي للسرقة أو المجازفة بسرقة تفاصيلك الشخصية السرية.

القراصنة سيطروا على مواقع التواصل الاجتماعي وأسعار الإنترنت أصبحت لا تطاق، وتمت تجزئتها بحيث أن المقتدرين مادياً وحدهم من يستطيعون الدخول الى المواقع المفيدة والمواكبة للزمن.

في بعض البلدان، تقوم أجهزة الأمن السرية بمراقبة كل حركة للمواطنين باستخدام أدوات استشعار، أو محادثات، أو مراسلات تمت عبر الإنترنت. حتى لو كنت تستطيع الدخول إلى الإنترنت، هل ستكون راغباً في ذلك؟

هناك إشارات إلى احتمال وقوع كارثة رقمية تجد صداها في كل أنحاء العالم.

كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، فإن بحثا صدر عن مركز أبحاث بيو الأمريكي عن أوضاع الإنترنت بعد عقد من الآن احتوى على كلمة “تهديد” أكثر من أربع مرات، مقارنة بالقدر الذي وردت فيه كلمة “أمل”.

المشاكل المحتملة كثيرة. و على سبيل المثال، ازدياد الخدمات المعتمدة على المعلومات تشعر البعض بالقلق من مستقبل يحدد لنا فيه الآخرون أسلوب عيشنا، مقلصين بذلك قدرتنا على أن نختار ما نريد بمحض إرادتنا.

ثم هناك القلق من أن يصبح الدخول إلى المعلومات شأنا للنخبة فقط، وإبقاء من لا يستطيعون الدخول إلى المعلومات في الدرجات المجتمعية الأدنى.

ومما كتبه مدير العمليات في شبكة التواصل الاجتماعي ميتا فيلتر في تقرير مركز بيو: “ستزيد الإنترنت الأغنياء ثراءً، وستصبح أداة لتهميش الفقراء، أو الذين يعانون من أمراض عقلية أو إعاقات.”

إحدى الطرق للحفاظ على المساواة والديمقراطية في الإنترنت هي حماية الحيادية، التي تعني وجود شبكة مفتوحة، لا مركزية، ويمكن الدخول إليها على مستوى العالم، بدلاً من شبكة مقسمة إلى فئات يكون فيها الدخول إلى المعلومات المهمة حكراً على فئات دون غيرها، وهكذا.

“نريد مواصلة الكفاح من أجل حيادية الانترنت،” هذا ما قاله بيرنرز لي في لندن.

بيد أن الذين يخشون من المستقبل يقولون إن الفرصة قائمة لعدم استمرار هذا الحياد في المستقبل. في الواقع يعتقد البعض أنهم خسروا معارك أساسية خاضوها للحفاظ على حياد الإنترنت.

ففي بداية هذا العام، على سبيل المثال، وضعت محكمة الاستئناف في العاصمة الأمريكية واشنطن قواعد للحياد. وبموجب هذه القواعد، فإنه يُسمح للشركات الغنية الكبرى بأن تدفع أموالاً لترويج خدماتها على الإنترنت، وفي نفس الوقت منع الشركات المنافسة من الإعلان بنفس الطريقة، مما يؤدي إلى خنق التنافسية بين الشركات التي تقدم خدمات متشابهة.

ليس الحياد وحده هو المعرض للتهديد. فقد أعرب عدد آخر ممن كتبوا تقرير مركز بيو عن قلقهم من فرض سياسات الدولة الأمنية على الإنترنت والتي تسمح لأنظمة الحكم القمعية بفرض رقابة على الإعلام أو التجسس على مواطنيها بسهولة أكبر.

وهناك أيضاً تهديد يتمثل في زيادة المشاكل الأمنية التي يمكن أن يتسبب بها المجرمون. فقد شجع تركيب أجهزة مرتبطة بدائرة إلكترونية في بيوت الناس على وجود سيناريوهات مفزعة يتم فيها مراقبة الأجهزة الشخصية عن بعد.

حتى أجهزة مراقبة الأطفال التي تمكن الآباء والأمهات من مراقبة صغارهم من غرف أخرى داخل البيت، تم اختراقها عن عمد بهدف التسبب في الأذى.
وجهة نظر متوازنة

بالنسبة للواقعيين، فإن الذي يمكن أن يحدث للإنترنت عام 2040 يقع ما بين السيء والحسن. هذه النقطة ذكرها شنيار عندما طرح موضوع الإرهاب الإلكتروني.

بشكل عام هو لا يشعر بالقلق على هذه الأمور لأن شبكة الإنترنت، كما يقول، مكان متوازن بفعل النوايا المتعددة والمتنوعة المشارب لمستخدميها، مضيفاً “كل الناس يستخدمون الفضاء الإلكتروني.

الشمس تشرق على الحق والباطل، كل الناس، الطيبون والأشرار يقودون سيارات، ويأكلون في المطاعم، ويبعثوا برسائل عبر البريد الإلكتروني. ما المشكلة في ذلك؟”

أما فيما يتعلق بالمال والأعمال، فمن الصعب الاعتقاد أن شركات معينة ستقفز لتتصرف بطريقة أخلاقية في الأوقات الاقتصادية الحرجة.

فالشركات العملاقة تتصرف دائماً بطريقة غير أخلاقية. من ناحية ثانية، الأسواق تعني أنه مسموح للناس محاسبة هذه الشركات عندما تخطيء أو عندما تتصرف بطريقة غير مقبولة.

ويبدي بيرنرز-لي وجهة نظره في ذلك فيقول “ينبغي أن يكون لدينا قوانين وضوابط لكي نستطيع الحكم على هذه التصرفات بأنها قانونية أو غير قانونية. في أوقات أخرى سيكون السوق على ما يرام عندما تكون الأمور شفافة للناس لكي يدلوا بأصواتهم، ويذهبوا إلى موقع آخر على شبكة الانترنت.”

مواقع التواصل الاجتماعي الجديدة – مثل “Sgrouple” و “Ello” – التي تعد بأن تتصرف بطريقة أخلاقية، تخلق نوعاً جديداً من المنافسة مع المواقع القائمة التي ينتقدها البعض.

في شبكة مفتوحة، المنافسة لا تدفع فقط إلى الابتكارات الإيجابية التي يتوق الناس غليها، لكن يمكن أن تسمح كذلك لقيم المساواة أن تسود.

لكن ذلك لا يعني أن كل مصائبنا ستتلاشى. فالشبكة العنكبوتية العالمية عام 2040 يتوقع أن تكون مختلفة، لكن يمكن لنا أن نكون واثقين من شيء واحد: ستبقى شبكة الانترنت متنوعة لتعكس تنوع جنسنا البشري.

أضف تعليقك

تعليقات  0