تقارير «المحاسبة»... لا يُحاسَب أحد!


بالرغم من رصد التقارير السنوية التي يُصدرها ديوان المحاسبة كماً هائلا من التجاوزات المالية في الأجهزة والمؤسسات الحكومية فإنه لا يترتب عليها محاسبة أحد من كبار المتجاوزين، فلم نسمع أو نقرأ أن مسؤولا حكوميا كبيرا قد استقال أو أُقيل إثر التجاوزات المالية التي سجلها ديوان المحاسبة، بل على العكس تماما، إذ إن كبار المسؤولين يُرقون إلى مناصب أعلى أحيانا بغض النظر عن حجم التجاوزات المالية التي ارتكبتها الجهات الإدارية التي يشرفون عليها.

صحيح أنه سبق أن أحيل بعض المسؤولين إلى النيابة العامة، ولكن مصير البلاغ كان الحفظ لعدم كفاية الأدلة، فالإحالة إلى النيابة قد تكون في أحايين كثيرة مجرد وسيلة، الغرض منها تبرئة المتجاوزين لأن البلاغات تُحال إما بمستندات ناقصة أو أنها غير مكتملة الأركان القانونية كما سبق أن رأينا في قضايا عدة، أشهرها قضية سرقة الناقلات والاستثمارات الخارجية التي حصلت أثناء الاحتلال العراقي الغاشم.

ومع أن تقارير ديوان المحاسبة ليست كاملة وشاملة، لأنها تسجل فقط ما تستطيع فرق العمل أن تصل إليه ضمن إمكاناتها وصلاحياتها القانونية ودرجة تعاون الجهات الحكومية معها، إلا أن ما ترصده هذه التقارير من تجاوزات مالية وعمليات تنفيع يبين حجم الفساد المستشري ودرجة تغلغله في الأجهزة الحكومية بمستوياتها كافة. والسؤال هنا ترى ما فائدة تقارير ديوان المحاسبة إن لم يترتب عليها محاسبة كبار المسؤولين ووقف التجاوزات واسترجاع الأموال التي صرفت دون وجه حق؟ إذا لم يتم ذلك فإن الرسالة التي ستصل إلى المسؤولين هي استمروا في تجاوزاتكم، ولا تلتفتوا إلى تقارير أي جهة رقابية بما في ذلك ديوان المحاسبة التابع للسلطة التشريعية، وهذا سيعطي انطباعا سيئا للغاية، وهو أن هناك حماية مؤسسية ورعاية رسمية للفساد.

ومن ناحية ذات صلة، فإن لم ير الناس، وهم يقرؤون ويتابعون باهتمام تقارير "المحاسبة"، جدية الحكومة وعملا ملموسا لوقف الهدر المالي في أجهزة الدولة ومؤسساتها، ثم محاسبة كبار المسؤولين وإعادة الأموال التي صرفت بشكل غير قانوني إلى الخزينة العامة فإنهم لن يثقوا بما تطرحه الحكومة هذه الأيام لمعالجة اختلالات الميزانية، ولا سيما ما تُسميه "ترشيد الإنفاق"، لأنه لن يعني بالنسبة إليهم سوى شيء واحد وهو سحب ما في جيوبهم، في حين تعجز الحكومة عن محاسبة أجهزتها الإدارية ووقف التجاوزات المالية وعمليات التنفيع والتكسب التي يرتكبها بعض كبار المسؤولين في الدولة!
أضف تعليقك

تعليقات  0