مسكينة يا الكويت... «عومة مأكولة ومذمومة»


الكويت ابتدعت فكرة مجلس التعاون الخليجي، وهي مدركة أنها ستخسر بعض مكتسباتها الديمقراطية لتوفير الحماية ضد أي عدوان خارجي، الأمر الذي اتضح تعذُّر تحقيقه عندما احتل صدام حسين الكويت... التفاصيل مؤلمة ومحزنة ونخجل من ذكرها، وهي موجودة وموثَّقة لمن يريد معرفتها.

الخلافات والصراعات بين الأعضاء تتصدَّر الأخبار، وتؤكد أنه ليس هناك تعاون ولا يحزنون.

ما نعيشه الآن من مشاكل في قطاع النفط مع الجيران، ما هو إلا نموذج لهذا الخلاف الذي امتد زمناً طويلاً... خلاف حول الحدود وحول المناصفة في المناطق المحايدة المشتركة، التي أخذت تتآكل، بالرغم من خسارتنا ثلثي مساحة دولتنا، التي انتُزِعت بعد اتفاقية sir percy cox بتاريخ 2 فبراير 1920.

الكويت كذلك تُعتبَر مكروهة عند معظم حكام المنطقة، لأنها شاذة عن القاعدة في طريقة حكمها، المعتمد على التعايش بين جميع مكونات المجتمع، والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار برعاية دستور يضمن التآلف والتطور السلمي، للتكيُّف مع تطور الأوضاع الداخلية.

إن الانسجام المميز بين مكونات المجتمع الكويتي وامتداداته إلى دول الجوار، وفّر انفتاحاً وتعاوناً تجارياً واجتماعياً، لا بل روحياً مع هذه الدول، وهكذا وُجِدت في الكويت ثقافة التعايش، لا بل التعاون لحماية هذا الكيان الصغير في منطقة عُرِفت بصراعاتها المدمرة خلال حقبة كبيرة من الزمن.

السياسة الخارجية

السياسة الخارجية الكويتية ارتكزت منذ القدم، ولا تزال، على الابتعاد عن هذه الخلافات ونبذها، لا بل السعي إلى تخفيف حدَّتها إن عجزت عن حلها، هذا النهج لا يلقى قبولاً عند معظم الأطراف المجاورة. وبعضهم يعتبرها قدوة خطيرة لمواطنيهم المتعطشين إلى الحرية والمشاركة، وخطراً حقيقياً على شرعيتهم بالحكم، بالرغم مما تعرّضت له التجربة الكويتية من تخريب من بعض المتنفذين خلال العقود المنصرمة، والمثل يقول «الأعور على العميان باشا» مع الاعتذار عن الإساءة الموجودة في هذا المثل الشعبي.

الشيخ جابر الأحمد الصباح - رحمه الله - في لقاء معه أعرب عن ألمه لعدم قدرة حكام المنطقة على إدراك أن حرية الرأي مكفولة، وقال لي: «أنا لست مسؤولاً عن كل تصريح يصدر في الكويت ربما يكون بخلاف رأيي، إلا أن هذا غير مفهوم ومستنكر عندهم».

ثغرة خطيرة

وهنا يجب أن أحذِّر من خطورة أوضاعنا، فالكويت فقدت مناعتها التي حمتها من مصائب كثيرة منذ نشأتها بفضل تناغم مكوناتها الاجتماعية ودور كل منها في تماسك الجبهة الداخلية، واستمرار هذا التماسك لمواكبة متطلبات التغيرات المستمرة في كل مجتمع.

فشل الدولة في حماية مواطنيها وانتشار الفساد الذي سبب فشل مؤسسات الدولة، واتباع سياسة «فرِّق تَسُد» فرَّخ الولاءات الضيقة للمواطن، وأصبح يلجأ إلى العائلة أو القبيلة أو الطائفة لتدبير أموره اليومية، والصراع الطائفي في المنطقة أذكى هذا الصراع الداخلي وشكّل ثغرة خطيرة، يمكن أن تستغلها أطراف طامعة أو معادية للتسلل إلى داخلنا، كما أن الاعتقاد بأن حماية دولية ممكنة اعتقاد في غير محله، ويشكل مخاطرة كبيرة، لأن هذه الدول تتعامل مع الدول المهمة بالمنطقة، للتفاهم معها من أجل حماية مصالحها في المنطقة، حتى ولو كان ذلك على حساب أصدقاء صغار، لا ثقل سياسياً لهم، كما حصل معنا في اتفاقية sir percy cox للحدود، عندما خسرنا ثلثي أراضينا ترضية للآخرين.

والسؤال الآن: هل يمكن إعادة اللحمة للمجتمع الكويتي؟

أنا لا أرى أي جهد رسمي للمعالجة، بل العكس، أرى كثيراً من الإجراءات العشوائية التي تعمِّق هذه الصراعات، وتعبِّر عن عنجهية واستهتار بمصير البلد، وتزيد الطين بلة.
أضف تعليقك

تعليقات  0