العرب: يسقط الدكتاتور.. يعيش الدكتاتور



معظم الدول العربية ومنذ الأربعينات، وهي تعيش تحت نظم دكتاتورية بصورة مستمرة، حتى في الفترات التي شهد البعض منها ممارسة ديموقراطية، كان الحكم في مظاهره الأساسية دكتاتوريا.

لقد عاشت العديد من الدول العربية دكتاتورية الثورات والجمهوريات التي اتخذت الديموقراطية شعارا، وهي واقعيا أنظمة دكتاتورية مستبدة، وأشد قسوة من الأنظمة الملكية، وهو ما أدخل الشعوب العربية في دوامة الظلم والاستبداد لكون المتصارعين على السلطة دخلوا صراعات لا هوادة فيها من أجل السلطة، ما ألحق بالشعوب أسوأ الأضرار البشرية والمعيشية، وكان الوطن هو الضحية، لأنه كان حلبة الصراع لأولئك الطامحين للسلطة.

إن إشكالية العالم العربي ودوله أن معظمها يعيش في ظل أنظمة دكتاتورية تعاني الشعوب دائما من تسلطها واستئثارها بثروات الدولة، وهو ما يضع معظم شعوب هذه الدول على حافة المعاناة المعيشية، ولو وزعت ثروات الدولة بصورة عادلة لنعم الجميع بحياة معيشية مريحة ومستقرة، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، وقد تكونت في الدول العربية أحزاب ومجاميع سياسية وفكرية عديدة أثبتت الأيام خواءها الفكري لعدم وجود منطلق مبدئي لها، فجميعها تهدف للوصول للسلطة أو التحالف معها وسرعان ما ينكشف إفلاسها القيمي والفكري بمجرد تمكنها من السلطة، فتظهر بممارسات دكتاتورية تجعل من الترحم على الأنظمة السابقة حقيقة لازمة، وقد دفعت الشعوب ثمنا لهذا الخواء صراعات وخسائر من أبنائها استخدمها البعض لإرضاء وإشباع رغبته الخاصة في الاستيلاء على السلطة.

وها نحن اليوم في ظل موجات ومتغيرات ما سمي «الربيع العربي» نعيش في الدوامة نفسها، فقد فرح الناس بأنهم أسقطوا دكتاتورا، لكنهم هتفوا للزعماء الجدد، وإذ بهم يكتشفون أنه هتاف لمصلحة دكتاتور جديد أسوأ من سابقه، بل ان البعض منهم صارت السلطة هي غايته، فترك البلاد تموج بحرب أهلية بتمويلات مشبوهة لا يعلم إلا الله مداها، كما هي الحال في ليبيا واليمن والعراق وسوريا، وهو ما استفاد منه الغرب لفرض مخططه بتقسيمات جديدة لهذه الدول. والزعامات الطامحة بكل أسف قابلة بذلك، لأنها ستكون على رأس سلطة لدويلة مقسمة، وهو ما يكشف عن وجهها الحقيقي والقبيح الذي آخر ما يهمه هو مصلحة الوطن وشعبه، وهؤلاء كاذبون ومأجورون، وإن ادعوا خلاف ذلك.

إن الثقافة والمثقفين في العالم العربي فشلوا في أهم المسائل اللازمة لبناء الوطن، وهي إشاعة ثقافة التمسك بالقيم وآداب الاختلاف وأصول التعايش القائم على التداول السلمي للسلطة، ويتحمل هؤلاء والتنظيمات السياسية التي سادت العالم العربي «وزر ذلك»، وقد استفاد الحاكم الدكتاتور منهم في كل المراحل، وسخرهم ليهتفوا يسقط الدكتاتور ويعيش الدكتاتور الجديد.

إن الله سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما في أنفسهم، وقد تخلينا عن منبع القيم الحقيقية في الإسلام، وحاولنا أن نقلد غيرنا، فلم ننجح، وانسلخنا عن هويتنا وخسرنا الأفضل، وهو ما يتطلب العودة للجذور مع مصداقية وتجرد، ليكون ذلك مشروع نهوض أمة، والله المستعان في أن تستفيد الشعوب العربية من كل ذلك.

اللهم إني بلغت.

أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0