الصراع مع الطغيان


من المؤسف أن بعض الشباب الطيبين يندفعون بحماس ومن دون تفكير، فينتهي بهم المطاف ليصبحوا حبيسي ثنائية مقيتة، كأنه لا خيار غيرها، إما القبول بالانفراد بالسلطة والثروة وقمع الحريات، أو الاستسلام لقوى دينية أشد استبداداً وتخلفاً، رغم أن الخيار لا ينحصر، كما تُروج وسائل إعلام موجّهة، في تلك الثنائية الزائفة، لأنها ليست سوى وجهين لعملة واحدة هي الطغيان.


يحاول البعض إيهام الناس بأن الصراع الدائر الآن في مجتمعاتنا العربية هو صراع بين قوى التغيير والتقدم من جهة، والقوى التي ترفع شعار الإسلام أو التي تُسيّس الدين وتُتاجِر به من الجهة الأخرى، بالرغم من أن ذلك ليس سوى صراع جانبي ما لم تسيطر القوى التي ترفع شعار الإسلام على السلطة وتحاول الاستئثار بها وإقصاء الآخرين كما حصل في مصر إبان حكم "الإخوان".

الصراع الأساسي، الذي يتم تجاهله عمداً، هو صراع الشعوب العربية مع الطغيان والاستبداد والتسلط، وما يتضمنه ذلك من احتكار صارخ وفجٍّ للسلطة والثروة معاً، وقمع للحريات، وإهدار للكرامة الإنسانية، وفرض ظروف اجتماعية- اقتصادية بائسة. بكلمات أخرى، هو صراع ضد الطغيان بصرف النظر عن نوع القوى المسيطرة سياسياً، سواء كانت قوى قومية أو ليبرالية (لاحظ أن الطغاة مثل صدام والقذافي وبشار وغيرهم كانوا كثيراً ما يستخدمون الدين والمؤسسة الدينية لتبرير تصرفاتهم الرعناء وغير السويّة، ويُسهّلون للقوى الدينية ممارسة النشاطين السياسي والعام)، أو كانت قوى دينية، رغم أن الأخيرة أكثر سوءاً وأشد تسلطاً؛ لأنها تدعي زوراً وبهتاناً أنها تستمد حكمها واستبدادها من نصوص مُقدّسة، فلا يمكن مناقشتها، فضلاً عن الاعتراض عليها.

الطغيان يصيب السياسة في مقتل، فلا تكون هناك تنظيمات سياسية حقيقية ولا مجتمع مدني فاعل، إذ لا صوت يعلو على صوت الطاغية والمقربين إليه، لهذا نجد أن الإرهاب يبرز (سورية والعراق واليمن وليبيا أمثلة) أينما وُجِد الطغيان الذي يقضي على مؤسسات الدولة ويُمركزها في أيدي أشخاص معدودين، فلا يجد الناس قنوات سياسية طبيعية للتعبير عن آرائهم والدفاع عن مصالحهم. وبمعنى آخر، الطغيان يُعبّد الطريق أمام كل أشكال التطرف والغلو والتمييز والظلم الاجتماعي، والعكس صحيح تماماً في الدول الديمقراطية المستقرة، حيث يستطيع الفرقاء السياسيون التعبير عن آرائهم المختلفة ضمن القنوات الرسمية، فيندر، بالتالي، في هذه الدول وجود قوى إرهابية متطرفة تحاول فرض وجهة نظرها على الآخرين بالقوة.


ومن المؤسف أن بعض الشباب الطيبين يندفعون بحماس ومن دون تفكير، فينتهي بهم المطاف ليصبحوا حبيسي ثنائية مقيتة وكأنه لا خيار غيرها، وهي ثنائية إما القبول بالانفراد بالسلطة والثروة وقمع الحريات، أو الاستسلام لقوى دينية أشد استبداداً وتخلفاً، بالرغم من أن الخيار لا ينحصر، كما تُروج وسائل إعلام موجّهة، في تلك الثنائية الزائفة، لأنها ليست سوى وجهين لعملة واحدة هي الطغيان، إذ إن هناك خياراً آخر حضارياً وعصرياً سارت عليه دول كثيرة متقدمة، ودولنا العربية ليست استثناءً، وهو خيار الدولة المدنيّة الديمقراطية العصرية التي تحترم المكونات الاجتماعية- السياسية كافة، وتتصارع فيها القوى والأفكار والرؤى من دون تخوين أي طرف سياسي أو إقصائه أو تهميشه مادام ملتزماً بالقواعد العامة المدنيّة المتوافق عليها في الدستور.
أضف تعليقك

تعليقات  0