حكاية بينوشيه



الأمم الحية تتعلم من التاريخ ومن تجاربها ومحنها وتجارب غيرها، وهو ما يؤكده فوكوياما في كتابه "النظام السياسي والتآكل السياسي من الثورة الصناعية إلى اليوم" (ترجمتي للعنوان).

ففي الولايات المتحدة، انغمس بعض قادتها في المزايدات السياسية للشعبويين، وهذا يعني المحاباة والميل لأصحاب النفوذ والأصوات الانتخابية، وسلك السياسيون نظام "الزبائنية" ـ أي علاقة الارتباط النفعية بين السياسي والناخب ـ في إدارة الدولة، لكن هذا لم يستمر طويلاً، فقتل الرئيس غارفيلد عام 1880 من قِبل معتوه كان هزة سياسية لبداية مشوار الإصلاح.

وهذا الإصلاح وإنهاء الفساد لم يكونا يحدثان لولا ثقافة وإخلاص السياسيين لدولهم، مثال ذلك الرئيس تي. دي. روزفلت، خريج هارفارد، وهنا يورد الباحث ملاحظة أن محاربة الفساد وحدها لا تكفي لصناعة الأمم، فلابد من توافر عنصر "الشطارة" و"الحرفنة" عند الإداري، فما فائدة أن يتولى الأمور الإدارية شخص نزيه، ولكنه جاهل ولا يعرف "فك الخط"؟!
فبناء دولة الإصلاح وإحلال "نظام الجدارة" بدلاً من نظام الزبائنية في تولي المنصب العام لا يتم من غير أشخاص مخلصين وحذقين بمهاراتهم وعلومهم، إضافة إلى صدقهم وولائهم لوطنهم.

لنتوقف هنا، حين يثور الكلام عن أي الطريقين أفضل لتقدُّم الدولة، هل يكون بهيمنة الحكومة على الخدمات العامة، أم تترك الإدارة للقطاع الخاص؟!

الإجابة، ليست هذا أو ذاك، فأحياناً إدارة الحكومة قد تكون أنجح من القطاع الخاص، وأحياناً العكس، ويضرب الباحث مثالين على نجاح الإدارة الحكومية في هيئة الزراعة والغابات أولاً، ثم الصفقة الكبرى، ثانياً (أو الجديدة مع فرانكلين روزفلت عام 1930). في الأولى، أي إدارة الزراعة والغابات، ترأسها قائد اسمه كيفورد بينوشيه، كان هذا ابن عز، وإذا لم تكن أميركا تعرف الارستقراطية مثل أوروبا، إلا أنه يمكن - تجاوزاً - عد بينوشيه كأرستقراطي أميركي من الدرجة الأولى، فهذا، أنهى دراسته من جامعة "اكزتر" ثم "ييل"، وحين وصل إلى منصبه فتح أبواب الإدارة للعلماء والباحثين المتخرجين في الجامعات الكبيرة، وشرع في فصل الإدارة عن الطموحات السياسية للقادة السياسيين، وسانده صديقه الرئيس روزفلت، فهذا الرئيس لم يتركه بينوشيه وحده في معركة الإصلاح، ورغم ذلك، لم يتوقف هجوم السياسيين الشعبويين عليه، واتهموه بالولد المدلل الذي ولد وملعقة الذهب في فمه، كل هذا لم يفتّ في عضده، حين جعل هذه الإدارة من أفضل الإدارات الحكومية كفاءة، ومثلها إدارات أخرى تمثّل النجاح الحكومي.

خذوا مثالاً آخر يخالف السابق يتحدث عن فشل الإدارة الحكومية، فخدمة السكك الحديدية كان يتولاها القطاع الخاص في أميركا، ورأت الإدارة الأميركية عام 1971 استملاكها لوقف احتكار الشركات للخدمة، وكانت النتيجة لملكية الدولة لشركة "أماتراك" كارثية، بينما للمفارقة، ظلت خدمة السكك الحديدية في أوروبا بإدارة الدولة، وهي تقدم أفضل خدمة يمكن تصورها!

بالمناسبة، وبين قوسين، هل تتذكرون، الآن، "حيص بيص" مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية"؟!
لا أفاضل هنا بين إدارة "العام" أو "الخاص"، بل الغرض هو تسليط بقعة الضوء على معيار النزاهة والجدارة في اختيار الأشخاص لإدارة خدمة المرفق العام.

مثال العملاق بينوشيه ذكّرني بقضايا الاتهامات لهيئة الزراعة بشأن توزيع الأراضي الزراعية في كبد، في الأول، ثم الوفرة في ما بعد، وبأنها خصصت المساحات الشاسعة من هذه المزارع، لجماعات "تقبيل الكتف وأذنك وخشمك"، ومازلنا ننتظر نتائج لجنة التحقيق فيها، إذا لم ينسها الناس حالها من حال "بلاوي" كثيرة طويت لجانها وتحقيقاتها في صفحات النسيان واللامبالاة، ويا ليتها كانت فقط تلك الهيئة، هي الدولة برمتها التي لم ولن تعرف حكاية بينوشيه، ولا تاريخ وتجارب دروس غيرها من الأمم، فمن يقرأ ومن يتعلم؟! ألف حسافة!
أضف تعليقك

تعليقات  0