سياسة إلى الوراء سِر!


اذا اعتبرنا أن الذي يدور من حولنا وسياسة دول المنطقة حكمة ومنطق، فنحن بالتأكيد نضحك على أنفسنا، هذا فضلا عن تصوير المنظر وكأنه رسمة كاريكاتورية أمام الرأي العام الدولي.

درجة الاستعباط لهذه الدول آخذة بازدياد في الفترة الاخيرة، فهل لاحظتم ذلك؟ ما فهمناه منذ انطلاقة شرارة الحرب في سورية في مارس 2011 أن أميركا وبريطانيا وفرنسا ودول الخليج ومعهم تركيا، كل اولئك كانوا ينوون ازاحة نظام بشار الاسد واحلال بدلا عنه نظام «معتدل»، ومعتدل هنا يحمل معنىً محددا ومعينا بحسب مواصفات تكتل التحالف. فالاعتدال بمعنى أن تتبع الارادة الأميركية والغربية وتبتعد قدر المستطاع عن الايرانيين لتكون حائط صد امام التمدد السياسي للجمهورية، كما أنه من الضروري لهذه السلطة الجديدة أن تعطي صك السلام والاطمئنان للحدود الشمالية والشمالية الشرقية للصهاينة. فهذا الامر كان بالنسبة لهم شيئاً محورياً ومصيرياً وأساسياً للقيام بهذه الحرب.

بعد هذه السنوات، وبعد أن تعبنا ومللنا ونحن نكرر أن المسألة ستطول ولن تتحق الاماني، سمعنا في الايام التي خلت اكثر من خبر يشي جميعها إلى تلك التنبؤات، وبأنها بدت تتحقق وأن جهود دول التحالف الدولي وملياراتها (تقدرها المصادر كمؤسسة HSBC بين 540 مليار إلى 800 مليار دولار) ومواردها البشرية (بحدود 130 الف قتيل وضعف هذا العدد من الجرحى وبحدود 7 ملايين تضرروا ونزحوا عن ديارهم)، كل ذلك ذهب أدراج الرياح وأصبح هباءً منثورا!

ولو توقف الامر إلى هنا لقلنا كارثة ومصيبة عظمى، لكن التحالف شارك بتأسيس غول اسمه التكفيريين على غرار ما فعل في أفغانستان، فصار فرانكشتاين هذا يكبر ويقوى ويقرض الايادي التي ساعدته ويأكل ويلتهم وينهش لحم كل من مده بالقوة في الاشهر الماضية.

فبعدما وَقَع التحالف في ورطته هذه، بدأ في الأسابيع الماضية يدير وجهه إلى الوراء والدوران نحو «معسكر الشر». وقد أرسل اوباما رسالة سرية إلى مرشد الجمهورية في إيران، كما بدأ التحالف هو بجيشه وماله يمارس قتل فرانكشتاين الذي خلقه وأوجده في المنطقة، كما اقتنع الآن بأن الحل العسكري لم يعد قادراً على حسم الموضوع.

هذا الالتفاف الواضح والتراجع البارز في موقف التحالف بدا جلياً في الفترة المتأخرة. فمثلا وإلى جانب تحركات ادارة أوباما وهدوء بريطانيا وفرنسا، المملكة العربية وبشكل غير مسبوق حرصت على مهادنة مواطني المنطقة الشرقية بالقائها القبض بسرعة على جناة الحسينية في الاحساء، وأوقفت حكم الاعدام الصادر بحق الشيخ نمر النمر (إلى الآن بالحد الادنى)، كما تراجعت قطر وتركيا عن دعم الارهابيين بحسب المصادر الدولية. فهذه المؤشرات كلها تدل على أن المنطقة تسير باتجاه يختلف تماما عن السنوات الماضية.


hasabba@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0