نعمتان مغبون فيهما الإنسان



يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

لو تمعن أحدنا في من حوله لوجد الناس منهمكين ولاهين بأشغالهم وأعمالهم وسعيهم وراء رزقهم، أو في شؤون الحياة العامة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها، وهم لا يلامون، فهذه طبيعة البشر، وتلك سمة من سماتهم، غير أنه يفوت على كل واحد منا أن ينعم بما حباه اياه ربه سبحانه وتعالى من نعم يغفل عن وجودها، أو لا يشعر بأهميتها، وتلك حالة متكررة تمر علينا كل يوم.

وقد خص رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من تلك النعم نعمتين، واعتبر من يحظى بهما موضعا للغبن، أي أن الكثيرين لا يقدرون هذه النعم، بينما غيرهم يتمنون ما هم فيه من نعم، وهاتان النعمتان هما الصحة والفراغ، فالأولى تجعل الإنسان معافى في بدنه وعقله وقوته، وتجعله قادراً على أن يقوم بتكاليف العبادة، وأن يكون عبدا شكورا، وهي أيضاً تمكنه من النهوض بمسؤوليات الحياة والاستمتاع ببقية ما وهبه من خير ونعم، وهو ما يستلزم أن يحافظ الإنسان على ما وهبه الله له من صحة، فلا يفرط بها تهاونا أو تساهلا أو تكاسلا أو إسرافا، كما هي حال الإفراط بالطعام أو التدخين المضر أو الإنهاك غير المبرر للجسد، وغيرها من الممارسات السلبية على الصحة، ولا يشعر الإنسان بأهمية نعمة الصحة حتى يفقدها، فلماذا ينتظر أحدنا حتى يصل الى هذه المرحلة، وليفرط بنعمة الصحة التي هي بين يديه ولم يحافظ عليها؟ وهنا يكمن السر في تأكيد رسولنا الأعظم على هذه النعمة.

والنعمة الثانية هي نعمة الفراغ، أي أن تكون لدى الإنسان فسحة من الوقت لا يشغله شاغل أياً كان، وهو يملأ فراغه بأفضل الأعمال والاعتناء بنفسه وأهله وشؤونه الخاصة، التي ربما فات عليه الاهتمام بها في أوقات انشغالاته، أما المنهمك بأعمال وانشغالات ومتواليات من الارتباطات فإنه لن يستمتع بهذه النعمة، ومن هنا ندرك أهميه الإجازة التي ينبغي أن ينقطع فيها الإنسان عن كل ارتباطاته تفرغا لنفسه لعبادة أو لأسرته أو لعلم أو لتأمل واسترخاء، فهل يدرك كل منا فضيلة هاتين النعمتين اللتين خصهما الرسول صلى الله عليه وسلم بالحديث الذي ذكرناه في بداية هذه المقالة، وهي تصديق لقوله عليه السلام: اغتنم صحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك.

اللهم اني بلغت،

أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0