مقالات

لو كبرت فى جموع الصين مئذنة.. بقلم د. وليد الطبطبائى

لو كبرت فى جموع الصين مئذنة!!
بقلم: د. وليد الطبطبائى

جاءت الاضطرابات الدموية الأخيرة التى وقعت خلال أيام عيد الفطر المبارك فى إقليم (سنكيانج) الواقع فى شمال غرب الصين والمعروف سابقا باسم (التركستان الشرقية) جاءت لتعيد للذاكرة التاريخ المرير لهذا الإقليم الذى تقطنه الأغلبية المسلمة تحت نير الاحتلال، ومعاناة المسلمين مرورا بالعهد الإمبراطوري وانتهاء بالعهد الشيوعي!! .


لقد جاءت هذه الاضطرابات والتى أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 80 شخصا واعتقال ما يقارب الألف شخص بسبب رفض السلطات الصينية السماح للمسلمين بإقامة شعائر عيد الفطر المبارك، فقام الشعب المسلم بالتعبير عن سخطه من ذلك، فردت السلطات- كعادة كل الأنظمة الاستبدادية- باستخدام القوة، مما أثار بدوره مزيدا من التوتر والسخط الشعبي بين المسلمين! .


وسنكيانج أو تركستان الشرقية أكبر محافظات الصين ويقطنها نحو 50 مليون غالبيتهم من المسلمين، وينتمي معظم المسلمين فى تركستان الشرقية إلى جماعة (الأويغور) العرقية، وهى قبيلة تركية ذات صلات تاريخية وثقافية وثيقة مع شعوب القازاق والقيرغيز المجاورين فى المناطق التى تعرف بتركستان الغربية والتى نالت استقلالها مؤخرا من الاتحاد السوفيتي مشكلة عددا من الجمهوريات الإسلامية المستقلة (قازاقستان، قيرغيزستان، أوزبكستان، طاجيكستان، تركمنستان) .


و(سنكيانج) وهو الاسم الذى أطلقه عليها المحتل الصيني، يعنى باللغة الصينية: المقاطعة الجديدة، وقد كان قدر المسلمين القاطنين فى تركستان الشرقية أنهم وقعوا بين قوتين كبيرتين (روسيا والصين) مما أدى إلى معاناة دائمة لم تنته منذ قرنين من الزمان لينتهي الصراع باحتلال أرضه ومحاولة إذابة شخصيته الإسلامية فى محيط بشرى يحاول ابتلاعه، فتارة يحتل الروس فى غزو قادم من الغرب، وتارة أخرى تأتيه جحافل الغزاة من الشرق من الصين، وأخيرا ضم إقليم تركستان الشرقية عنوة إلى الصين فى عام 1881م .

ولم يستسلم شعب التركستان المسلم للاحتلال الصيني، بل قاوم هذا الغزو فى انتفاضات عديدة وحاولت الصين توطين ملايين من سكانها فى التركستان لتحد من الأغلبية الإسلامية التى وصلت إلى 90% قبل سياسة التهجير، ثم انخفضت النسبة إلى 70% وأدى هذا إلى طمس المعاملات الإسلامية للبلاد، حتى اكتملت مرارته بضم الإقليم للصين وأطلقوا عليه (سنكيانج) ، وقد قام مئات الألوف من مسلمي التركستان الشرقية بالهجرة إلى تركيا والسعودية ودول إسلامية أخرى نتيجة للاضطهاد الشيوعي الذى قام بإغلاق المدارس الإسلامية والمساجد واستولى على أوقاف المسلمين وحتى مقابرهم !! .


لقد جاءت الأحداث الأخيرة لتضع علامات استفهام عديدة عن طبيعة التسامح الديني الذى بدأت الصين فى تطبيقه الآونة الأخيرة، وهل بدأت السلطات الصينية بالعودة إلى سياسة منع حرية الاعتقاد؟ أم أن التسامح الديني سيكون مكفولا للجميع دون المسلمين وحدهم !! .
إنني أدعو الدول الإسلامية والمنظمات الدولية والمدافعين عن حقوق الإنسان للتدخل لحماية المسلمين فى (سنكيانج) من القمع والاضطهاد الديني والعرقي، فإذا لم تستطع مساعدة أبناء تركستان الشرقية لاستعادة استقلالهم وحرياتهم السياسية، فلا أقل من أن تساندهم لاستعادة حرياتهم الدينية والشخصية .
إن المسلم مطالب بأن يقف مع إخوانه فى العقيدة أينما كانوا وحيثما حلوا، وما أحسن قول الشاعر:
_ ولست أدرى سوى الإسلام لي وطنا**
الشام فيه ووادي النيل سيان
_وحيثما ذكر اسم الله فى بلد** عددت ذاك الحمى من لب أوطاني
ولذلك فنحن نردد مع الشاعر الآخر قوله:
لو كبرت فى جموع الصين مئذنةٌ سمعتَ فى الغرب تهليل المصلينَ

جريدة “الوطن” الكويتية .
15 فبراير 1997م .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp us
إغلاق
إغلاق